حزب البعث العربي الاشتراكي

logo

header-ad

وجهة نظر.. التعليم في خطر من رياض الأطفال إلى الجامعات

تشير مختلف الدراسات التي تناولت عائدات التعليم ولا سيما الاقتصادي الأمريكي شولتز والروسي ستروميلين إلى القيمة الحقيقية للاستثمار بالتعليم وبأنه يفوق أشكال الاستثمار جميعها ريعاً، حينما تحكمه خطط تربط التعليم بالتنمية، إذ لم تعد النظرة التقليدية للتعليم على أنه مجرد خدمة، بل أصبح استثمارًا يهدف إلى تحسين مستوى الحياة للأفراد، وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدول، وإذا كان الاقتصاد هو العامل الرئيس لنمو المجتمعات المعاصرة، فإن التعليم بمختلف أنماطه يشكل المكون الأساسي لعناصر نموه. وتفيد تجارب الدول المتقدمة هذه الحقيقة التي باتت من المسلمات التي لا تحتاج إلى دليل أو برهان، وأن ما حققته تلك البلدان من تطور كان بفعل اهتمامها بالتعليم، حتى أن بعض الجامعات باتت ميزانياتها تفوق ميزانية دول بعينها من مثل: جامعة هارفارد الأمريكية التي بلغت ميزانيتها 52.2 مليار دولار أمريكي لهذا العام. ويعلمنا التاريخ بأن البلدان التي خرجت من كوارث الحروب كان التعليم السبيل الوحيد لتجاوزها حالة الدمار، والطريق المجرب لإعادة البناء وتحصين تلك البلاد في مواجهة من يعاديها، فعدونا يحاربنا بالعلم قبل كل شيء، ولا بد من مواجهته بالسلاح نفسه.  كما لم يعد التعليم العالي ضرورة للتنمية الشاملة في المجتمع وحسب، بل أصبح أحد حقوق الإنسان الأساسية، لأنه ضرورة حتمية لتنمية الشخصية الإنسانية، وبناء المواطنة الفاعلة، وهو أمر لا بد منه لممارسة حقوق الإنسان الأخرى، لذلك فإن الفرص غير المتكافئة في التعليم يُنظر إليها الآن على أنها أحد أنماط الظلم الاجتماعي، والتي تتناقض مع مفهوم ديمقراطية التعليم، وتكافؤ الفرص التعليمية التي يكفلها دستور الجمهورية العربية السورية، إذ تشير مقدمة دستور البلاد، والتي تعدّ جزءاً لا يتجزأ منه وفق المادة (151) من الدستور، صراحة إلى العدالة الاجتماعية والمساواة وتكافؤ الفرص، وهذا لا بد أن ينسحب على تكافؤ الفرص التعليمية. كما أشار البند الأول من المادة (29) إلى أن "التعليم حق تكفله الدولة، وهو مجاني في جميع مراحله، وينظم القانون الحالات التي يكون فيها مأجوراً في الجامعات والمعاهد الحكومية" ونص البند الرابع من المادة (33) من الدستور "تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين" وهذا أيضاً لا بد أن يشمل، دون أدنى شك، تكافؤ الفرص التعليمية ضمناً، إضافة إلى أن المادة الأولى من الدستور تنص على أن الجمهورية العربية السورية دولة ديم7فقراطية، ولا مندوحة من أن ينسحب هذا المفهوم على التعليم بأن تتحقق ديمقراطية التعليم وتكافؤ الفرص التعليمية للمواطنين كافة. والآن يمكن طرح بعض التساؤلات:

  • هل يتحقق تكافؤ الفرص التعليمية وديمقراطية التعليم عندما يدخل كلية الطب في الجامعات الخاصة من يستطيعون دفع (42) مليون ليرة سورية، وربما أكثر من هذا المبلغ، دون سواهم؟ وهل يحقق إشراف الدولة على التعليم البند الثالث من المادة (29) من الدستور والتي نصها: "تشرف الدولة على التعليم وتوجهه بما يحقق الربط بينه وبين حاجات المجتمع ومتطلبات التنمية" فهل يكون توجيه التعليم بخسارة العقول المبدعة ودفنها في كليات الطب؟ وأين الربط الذي يحقق متطلبات التنمية؟  في الوقت الذي نعلم فيه جميعاً بأن البلدان المتقدمة حققت تقدمها العلمي والحضاري من خلال اهتمامها بمختلف العلوم الأساسية من مثل: الفيزياء، والكيمياء، والرياضيات، وعلوم الفضاء، والعلوم الإلكترونية وغيرها من أنماط العلوم. ومن ثم هل المجتمع بحاجة لمزيد من الأطباء؟
  • وهل يتحقق تكافؤ الفرص التعليمية عندما يذهب إلى رياض الأطفال والمدارس الخاصة أبناء من يستطيعون دفع تكاليفها، والتي أصبحت هي الأخرى بملايين الليرات السورية؟
  • هل تستطيع فئة الموظفين الشرفاء في الدولة ومن يُشهد لهم بالنزاهة، وحتى المعلمين والمدرسين الذين يعملون في المجال التعليمي، وحماة الديار أو العمال أو الفلاحين، أن يعلموا أبناءهم في الرياض الخاصة أو الجامعات الخاصة؟
  • في الأنظمة الاشتراكية البائدة، وتلك التي مازالت قائمة إلى يومنا هذا التعليم مجاني، ابتداء من دور الحضانة إلى المراحل الجامعية، وفي الأنظمة الرأسمالية اللعينة التعليم مجاني أيضاً، في دور الحضانة ورياض الأطفال والمدارس، والجامعات، وحتى التعليم الجامعي المأجور في بعض البلدان بمنح فيه الطلبة قروضاً للدراسة يسدد جزءاً منها بعد إنهاء الدراسة، في حين تقدم فنلندا والنروج وألمانيا وفرنسا والسويد التعليم المجاني ليس فقط لمواطنيها وإنما بعضها يقدم التعليم العالي المجاني حتى للطلاب الدوليين. أما "بدعة" اقتصاد السوق الاجتماعي التي راجت ومن ثم لم نعد نسمع عنها شيئاً، فإن اقتصاد السوق الاجتماعي صحيح أنه يقبل بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، والشركات الخاصة، ولكنه في الوقت نفسه يدعو إلى تقييدها بضوابط حكومية لتحقيق المنافسة العادلة، ومن ثم فهو يربط بين مبدأ الأسواق الحرة ومبدأ التعويض الاجتماعي، بالتالي فإن من مزايا اقتصاد السوق الاجتماعي من مثل: الحرية الاقتصادية والتقدم التكنولوجي الاقتران بأهداف اجتماعية في رفع معدلات التوظيف، والقضاء على البطالة، ووضع معايير لظروف العمل، وتوفير الخدمات الاجتماعية بمختلف أنماطها بما فيها الخدمات الصحية والتعليم المجاني لمختلف المراحل الدراسية، والضمان الاجتماعي الحقيقي، كما هو الحال في النمسا وألمانيا وغيرهما من البلدان التي تعتمد هذا النمط من التوجهات الاقتصادية.
  • وسؤال آخر كيف استطاع القطاع الخاص خلال سنوات قليلة من افتتاح (23) جامعة خاصة في حين لم تستطع الدولة بكل مقدراتها من افتتاح سوى (7) جامعات؟

والسؤال الأكثر مشروعية هو كيف لمتخصص بالتخطيط التربوي ان يطرح المشكلات دون أن يقترح حلولاً؟ وهنا يمكن القول:

ا- التعليم الخاص بكل اشكاله وأنماطه، مخالف للمواد الدستورية المذكورة أعلاه قولاً واحداً، من وجهة نظري، إذ إنه يخرق مبدأي تكافؤ الفرص وديمقراطية التعليم، وكي لا أتعدى على تخصص رجال القانون، فإني أحيل الموضوع لعنايتهم للنظر فيه، مع أن الدستور وضع للشعب وليس لرجال القانون، ومواده واضحة وصريحة وليست بحاجة لتفسير.

2- إدماج رياض الأطفال في السلم التعليمي الإلزامي، ولا سيما إننا خرّجنا في كليات التربية بتخصص رياض الأطفال بشقيه النظامي والمفتوح أعداداً كبيرة على مدى سنوات، وهي تكفي لتغطية الحاجة من تخصص رياض الأطفال، وآية ذلك بالآتي:

  • إن السنوات الأولى من عمر الطفل، وفقاً لمعطيات علم نفس الطفولة، هي الأكثر تأثيراً في حياة الفرد، وأن القيم التي يتلقاها في الطفولة هي الأكثر ثباتاً في مراحل حياته اللاحقة، ولما كانت تكلفة تدني منظومة القيم لدى المواطن أكبر بأضعاف مضاعفة من تكلفة بنائها لديه، ولا سيما القيم الوطنية، إذ كانت تكلفة الأزمة السورية ما يقرب من ألف مليار دولار أمريكي، بحسب معطيات بعض الاقتصاديين، وربما أكثر من ذلك إذا أضيف لها ما يسمى بالفرصة الضائعة من استثمار للموارد التي هدرت، وقيمة معدلات النمو التي كانت ستنجز لولا ظهور الأزمة. وما من شك في أن تحصين المواطن وتسليحه بالقيم الوطنية كان سيقف حائلاً دون كل ما حصل. فلو أنفقت هذه المليارات على التعليم وإعداد المواطن فلن تكون قوة على الأرض قادرة على اختراق منظومته القيمية. وهذا ما يؤكد مقولة "تكلفة الجهل أكبر بكثير من تكلفة التعليم".
  • سيحقق إدماج مرحلة الرياض في السلم التعليمي تكافؤ الفرص وديمقراطية التعليم، حينما يكون الأطفال بين يدي متخصصين، إذ إن الرياض الخاصة غاية كثير منها، إن لم يكن جميعها ربحية، وبالتالي فإن قلة من خريجي رياض الأطفال يعملون في هذه الرياض.

3- فشل التربويين في البرهان لأصحاب القرار وإقناعهم بأن الإنفاق على التعليم ليس هدراً لأموال، بل هو أكثر أنماط الاستثمار ريعاً وربحية، وأن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان ذاته، وأن عملية بناء الإنسان هي أهم عمليات البناء على الإطلاق. وتجربة البلدان المتقدمة خير دليل، وبأن مردود الاستثمار في التعليم لا يكون كما في التجارة مردوداً مباشراً، وإنما كما في زراعة الأشجار يحتاج لسنوات حتى ينتج أرباحه. وبذلك جاء المثل الصيني القديم الذي يقول: "إذا كانت خططكم فصلية فعليكم بالخضار، وإذا كانت سنوية عليكم بالأشجار وإذا كانت أبدية فعليكم بالإنسان".

4- بالنسبة لحمى الطب الاجتماعية، وطموح الأسر لدراسة أبنائهم لتخصص الطب، هو ناتج عن الدخل الذي يحققه الطبيب في عيادته الخاصة، ولكن هذا يفقد البلاد طاقات خلاقة كان يمكن أن تبدع في مجالات أخرى من العلوم التي تحتاجها البلاد، وقد تحقق أضعاف ما يحققه الطبيب من دخل للبلد وللعالم في تخصصه. ومن ثم نحن نعدّ كثيراً من الأطباء ولكن قسماً كبيراً منهم يغادر ويعمل خارج البلاد، وتشير على ذلك الإحصاءات التي تبين عدد الأطباء السوريين في مشافي البلدان الأجنبية، وهذا هدر لمدخلات نظام التعليم العالي من جهة، وخسارة للبلد من جهة أخرى. ولعل السبب الرئيس في ذلك يعود لمقارنة المواطن بين الخدمات الصحية التي تُقدم في المشافي العامة، وتلك التي تقدمها العيادات والمشافي الخاصة. فلو ارتقينا بالتوسع بالمشافي العامة وبخدماتها لما فكر المواطن بمراجعة العيادات الخاصة، وتغيرت حينها اتجاهات المجتمع نحو تخصص الطب.
5- بالنسبة للجامعات الخاصة، لا شك أنها أثرت كثيراً في شعور المواطن بغياب تكافؤ الفرص التعليمية وديمقراطية التعليم، والتي تعد من أهم إنجازات البلاد في الخمسين سنة الأخيرة، فشعور المواطن بالعجز عن تعليم أبنائه لعدم قدرته على دفع تكاليف الدراسة يجعله يعيش مرارة الاغتراب والظلم الاجتماعي وهو على تراب وطنه، وهذا يتعارض مع قيم المواطنة وحقوقها، إضافة للأثر النفسي الذي يحدثه الفرق الشاسع في الرواتب والأجور بين من يعمل في الجامعات الخاصة وأقرانهم من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الحكومية.

  كما أسهمت الجامعات الخاصة في استنزاف الجامعات الحكومية فيما يتعلق بأعضاء الهيئة التدريسية، حتى باتت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تطلب ممن يتقدم باستقالته من الجامعات الحكومية أن يتعهد بعدم التدريس في الجامعات الخاصة. ولذلك التعليم في خطر داهم ونحن بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ثورة في التعليم بكل أبعاد هذا المصطلح، من خلال التوسع في الجامعات الحكومية وزيادة الطاقة الاستيعابية فيها، وأن يُعاد النظر في الجامعات الخاصة وتحويلها  إلى جامعات حكومية، مع ضمان حقوق المنشئين لها في منحهم تسهيلات للاستثمار في مجالات أخرى غير التعليم الجامعي تؤمن لهم الأرباح التي يطمحون إلى تحقيقها، أما التعليم وبناء المواطن فهذه مهمة الدولة في هذه المرحلة، التي تعد من أخطر المراحل التي مرت بها البلاد على صعيد الانتماء الوطني والاجتماعي والقيمي والأخلاقي والثقافي والتي تهدد وحدة التراب، فالجغرافية وحدة متصلة وثابتة في هذا الكوكب، ولكن التباين بين لمجتمعات هو الذي يقسمها ويقطع أوصالها، إلى دول وأمصار، فوحدة المجتمع هي ضمان وحدة تراب البلاد، والنظام التعليم الحقيقي الفعال بمراحله جميعها، وما ينتجه من وعي لدى الأفراد هو ضمانة وحدة المجتمع فهل أنتم مدركون للخطر الداهم؟

أ.د. عبدالله المجيدل

أستاذ التخطيط التربوي في جامعة دمشق

المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب.. 

اضافة تعليق