الرئيسية تحليلات و آراء 

الأزمة الخليجية .. الحل ممنوع والابتزاز مستمر

2017-08-10

د. تركي صقر

بعد أن فتحت له السعودية مغاليق ثرواتها الطائلة استطاب ساكن البيت الأبيض عمليات الابتزاز المالي السهلة فراح يسعى «لشفط» صناديق دول الخليج الواحدة بعد الأخرى بطريقة افتعال الأزمات فيما بينها وتحريض بعضها على بعض،

يبدو أن الدور بعد السعودية وقطر قد جاء على الإمارات ذات الغنى الفاحش والأموال التي لا تأكلها النيران والمقدر الفائض في صناديقها الاحتياطية بأكثر من 950 مليار دولار، وبلا مقدمات بدأ دونالد ترامب يصوب سهامه نحو «الإمارة الذهبية» متهماً إياها بداية عن طريق تسريبات وكالة المخابرات الأمريكية لصحيفة «الواشنطن بوست» التي نشرت أن الإمارات هي التي قرصنت وكالة الأنباء القطرية وحرّفت خطاب حاكم قطر تميم بن حمد ما سبب أزمة الخليج الكبرى.

وتوالت الاتهامات الأمريكية للإمارات بدعم الإرهاب وبصورة غير مسبوقة وبغزارة غير معهودة وهذه المرة من قبل وزارة الخارجية الأمريكية مباشرة ومن دون الاهتمام بنفي سفير الإمارات في واشنطن هذه الاتهامات، ففي أحدث تصريحات لها قالت وزارة الخارجية الأمريكية: «لقد حذّرنا الإمارات من شراء أسلحة من كوريا الديمقراطية ولكن الإمارات تجاهلت تحذيرنا وأقامت صفقة بشراء أسلحة بـ 100 مليون دولار، حيث تم إرسالها للجماعات والقبائل الموالية للإمارات وأضافت: إن الجماعات الإرهابية استغلت الإمارات كمركز مالي في تعاملاتها المالية أي إنها تعد مركزاً لتمويل التنظيمات الإرهابية .

وفصّلت الخارجية الأمريكية في دور الإمارات المالي لدعم الإرهابيين عندما قالت: إن الجماعات الإرهابية تستخدم الإمارات مركزاً مالياً لغسيل الأموال وتهريب الأسلحة والآثار إلى دول عدة، وأردفت: الإمارات لم تقم بدورها لمواجهة الإرهاب، وفي الوقت نفسه أكدت الخارجية الأمريكية ما كانت قد سربته وكالة الاستخبارات الأمريكية من أن الإمارات كانت وراء اختراق وكالة الأنباء القطرية وذلك بعد تعاقدها مع شركة متخصصة بالقرصنة الإلكترونية ما دفع قطر إلى رفع دعوى أمام المحاكم الدولية على الإمارات.

لا يمكن أن تكون هذه الاتهامات العلنية الفضائحية الحادة لهذه الدويلة التابعة للولايات المتحدة الأمريكية في كل شيء جزافاً لولا أن وراء الأكمة ما وراءها، ما يشير إلى أن الأمر ليس طارئاً ولا ارتجالياً، وإنما يدل على أن هناك مخططاً مرسوماً بعناية من قبل إدارة ترامب لاستنزاف ثروات ممالك وإمارات النفط، فرادى ومجتمعين، والطريق إلى ذلك ضربها بعضها ببعض، ما يجعلها تستنجد بالولايات المتحدة لحل أزماتها لقاء أثمان باهظة تدفعها، ولذلك وجدنا كيف «يمطمط» البيت الأبيض في حل أزمة قطر، وكيف يصب ترامب وطاقمه الزيت على نار هذه الأزمة لتزداد اشتعالاً، ولو أن البيت الأبيض بصدد حل الأزمة أو لديه نيات الحل لما احتاج الأمر أكثر من أيام قليلة.

وبالعودة إلى جذر الأزمة الخليجية فإننا نلاحظ أن هناك رأيين في تفسير تصاعد الأزمة على هذا النحو، الرأي الأول يفيد بأن ترامب يريد أن يحلب دول الخليج، كما توعّد خلال حملته الانتخابية عندما كان يقول: إن على دول الخليج أن تدفع لأمريكا لقاء حماية الأخيرة لها على مدى عقود وافتعال ما يسمى «الخطر الإيراني» الذي لعبت عليه أمريكا من أجل جلب مئات المليارات من السعودية، والآن جاء الدور على قطر التي ربما (وتحت الضغط الخليجي الذي بات مقلقاً لصناع القرار في قطر) ترى أن الخروج من عنق الزجاجة الخليجية يستلزم أيضاً نيل رضا واشنطن وهذا يستلزم استثماراً بمبالغ طائلة، وعلى المنوال نفسه تجري الأمور بشأن الإمارات والكويت لاحقاً.
الرأي الثاني يعد أن أمريكا هي اللاعب الأقوى الذي يمسك بأوراق اللعبة بكاملها من خلف الكواليس لإنضاج حالة تسمح بإعادة رسم المنطقة بشكل يتوافق مع مصالحها وخدمة الكيان الصهيوني. ويبدو أن نظرية وزير خارجية الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان في الفترة الأولى الكسندر هيغ في «الإجماع الاستراتيجي» سترى النور من جديد، ففي تلك الفترة قدم هيغ فكرة أن «على الدول العربية التحالف مع إسرائيل ضد إيران» والآن هناك أصوات كثيرة تنادي بالتطبيع مع «إسرائيل» توطئة لتشكيل «تحالف» ضد إيران وحتى يتم تشكيل هذا «التحالف» لا بد من استنزاف الجميع في المنطقة.

وليس تجاوزاً للواقع القول: إن موقف ترامب شكل محركاً رئيساً في مسار الأزمة الخليجية المتصاعدة، إذ تحولت واشنطن إلى ضلع مهم في مثلث هذه الأزمة التي تمتلك واشنطن مفاتيح حلها، والحق: إن طرفيّ الأزمة دخلا في سباق محموم لنيل رضا البيت الأبيض وبات كل طرف يستنطق أي تصريح يصدر هنا أو هناك وينتزع أي جملة من سياقها من أجل كسب نقطة هنا، وأخرى هناك في حرب إعلامية تستحضر حلقات مملة من حربي «البسوس» و«داحس والغبراء» الغابرتين والمستفيد الوحيد أمريكا والكيان الصهيوني مع إدراك طرفي الأزمة أن واشنطن لن تسمح بخيار عسكري – على المدى المنظور – وأن المنازلة ستنتهي بالفوز لأحد الأطراف بالنقاط أو ربما تقرر واشنطن نتيجة التعادل، أما إمكانية الضربة الفنية القاضية فإنه سيناريو مستبعد إلا إذا تواطأت واشنطن مع التحالف المناهض لقطر وهو تحالف يمتلك الإمكانات العسكرية الكبيرة قياساً بقطر.

في مطلق الأحوال، تضع الأزمة الخليجية مشروع السوق الخليجية المشتركة أمام مفترق طرق أو بالأحرى على حافة الانهيار، إذ يبدو مصير مشاريع البنية التحتية الطموحة في حال طرد قطر من «مجلس التعاون الخليجي» في مهب الريح، وإذا ما أصبح المناخ السياسي طارداً للاستثمارات في الإمارات وغيرها بعد سنوات من الرفاه والازدهار، فالتراجع السريع سيقضي على كل سبل التقدم والنمو، وقد لاح شبح ذلك مع فرض الحصار والعقوبات السعودية والإماراتية والبحرينية على قطر، حيث تعطل الكثير من المشاريع والاتفاقات الاقتصادية المعمول بها بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي على الصعد المالية والتجارية، فالقطريون لم يعد في إمكانهم التنقل، وحرية نقل البضائع الخليجية المنشأ من وإلى قطر توقفت.

أما البضائع الأجنبية المتوجهة إلى السوق القطرية عبر الإمارات أو السعودية أو البحرين فعليها سلوك طريق آخر عبر طرف آخر. صحيح أن العقوبات أصابت المؤسسات والشركات التجارية والصناعية والمالية في قطر بشكل مباشر، غير أن المصارف الإماراتية والخليجية الأخرى التي تتعامل مع قطر والشركات المشتركة التي تمت إقامتها معها في إطار «مجلس التعاون»، تعاني عرقلة الكثير من أنشطتها، ويمكن القول: إن هذه المشاريع تقف الآن أمام مصير مجهول، لأن الأمر مرتبط بمدى استمرار الأزمة القطرية- الخليجية التي تتجه إلى التصعيد، ومع هذا التصعيد يتوقع مراقبون طرد قطر من المجلس وتشديد العقوبات الاقتصادية عليها، وهو الأمر الذي يعدّه خبراء مقربون من الدوحة بمنزلة بداية النهاية «لمجلس التعاون الخليجي» الذي كان من المفترض أن تكون له اليوم عملة مشتركة على غرار الاتحاد الأوروبي.

الأزمة الخليجية أمام طريق مسدود، وما حسبته السعودية ومعها دول المقاطعة الأخرى من تركيع قطر واستسلامها خلال أيام ذهب أدراج الرياح وهاهي الأسابيع تمضي من دون أي أفق للحل ويبدو أن الحل ممنوع أمريكياً حتى الآن، وما راهنت عليه الدول المقاطعة من موقف أمريكي حازم تجاه قطر تبيّن أنه سراب، بل ظهر العكس حيث تلعب واشنطن على الحبلين وهمّ ترامب وطاقمه واهتمامهم ليس الوصول إلى حل، وإنما كيف تتم الاستدارة «لشفط» ثروة الإمارات ثم يأتي الدور على غيرها، وسيكتب التاريخ أن هؤلاء الحكام الذين ابتليت بهم شعوبهم كانوا من أغبى الحكام في العالم.

 عن تشرين 





عدد المشاهدات: 30


نقاط على حروف عودة «التائبين»!..

نقاط على حروف عودة «التائبين»!..

د. مهدي دخل الله - عضو القيادة القطرية للحزب


في العودة إلى دمشق

في العودة إلى دمشق

 د. عبد اللطيف عمران - رئيس تحرير صحيفة البعث 
 



الاستفتاءات
القوائم البريدية
أدخل عنوان بريدك الإلكتروني للاشتراك في نشرة الأخبار


روابط أساسية
البرنامج السياسي لحل الأزمة


إرسال شكوى

يمكنك إرسال شكوى عند الضغط على الرابط التالي

اضغط هنا