حزب البعث العربي الاشتراكي

logo

header-ad

ماهية النظام العالمي الجديد

تشير المعطيات إلى أن النظام العالمي الجديد، الذي بدأت ملامحه ترتسم، سيكون له معانٍ عدة، وهو ما يفسّر وجود تيارات متضاربة في الآراء حول ماهيّة النظام الجديد، بحكم المخاض الذي تعيشه. بحسب التعريف الكلاسيكي، إن النظام الجديد هو الذي لا تكون فيه أمريكا قطباً مهيمناً على العالم، لكن في التعريف الحداثوي هو النظام الذي يسيطر فيه العالم الموازي، ولكن كيف يبدو هذا النظام، بحسب التعريف الحداثوي، بلا حدود سياسية، وحدود الدول ومناطق سلطتها ومجال نفوذها الاستراتيجي؟. حتى الآن تسيطر فكرة مركزية على مفهوم النظام العالمي بين نظام يهيمن عليه قطب واحد مثل الولايات المتحدة، أو نظام ثنائي القطبية، مثلما كان حال العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وانقسام العالم بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق، وصولاً إلى نظام متعدّد الأقطاب، مثلما غلب على أوروبا طيلة قرون وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى. يربطُ بعض المفكرين بين النظام متعدّد الأقطاب وبين الحروب العالمية، ويستشهدون بما جرى في الحربين العالميتين الأولى والثانية، بينما يربطون بين الاستقرار العالمي ونظام الأحادية القطبية. لكن بغضّ النظر عن موضوع الاستقرار من عدمه، يبدو أن فكرة النظام العالمي طبقاً لهؤلاء المفكرين تشير إلى عالم ينقسم إلى دول، وهذه الدول مرتبطة بترتيبات، ارتضت بها أو مجبرة عليها، أو متوافقة حولها. لكن في واقع الحال، يقوم النظام العالمي عادة على الدول التي تشكل الوحدات الأساسية لهذا النظام، وهذا المفهوم ساد منذ القرن السابع عشر بدءاً من أوروبا، ثم نقلته الإمبراطوريات الأوروبية إلى الدول المستعمرة. لكن عندما انتهى عصر الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية، لم تعد الدول على ما كانت عليه قبل الاستعمار، بل استمرت بمفهوم الدولة ذات البقعة الجغرافية أو الإقليم. وقبل القرن السابع عشر لم يكن هذا المفهوم هو السائد، فلم تكن الدول تقوم على رابطة الإقليم، بل تقوم على رابطة الأخوة المبنية على أساس العقيدة. والمفارقة أن ذلك النظام العالمي القديم شهد بدوره الأفكار نفسها حول الهيمنة الإقليمية والدولية، وتراوح بين نظام يخضع لسيطرة قطب مهيمن مثل الدولة الرومانية لقرون. لكن حتى هذا النوع من الأنظمة شهد الانقسام لقطبين، مثل الدولة الرومانية الشرقية والغربية، ومثل الدولة البيزنطية والفرس، ومثل الدولة العباسية والأموية، كما شهد عالماً متعدّد الأقطاب، مثل الدولة العباسية، والفاطمية، والأموية، والبيزنطية، والرومانية المقدسة. ثم تبدلت الدول وتوسّعت الرقعة من الصين إلى الأندلس، وشهدت التتار، والدولة الصفوية، والدولة العثمانية، والقياصرة الروس، والدولة الرومانية المقدسة، وفرنسا، وبريطانيا. وهذا ما يفسّر نظرية أنه كلما زادت الأقطاب المهيمنة زادت الحروب بينها، مع اختلاف القضايا المثارة، وخاصةً بعد انحسار “العقيدة الدينية” التي لعبت الدور المركزي في مواجهات الماضي، حتى داخل أوروبا ذاتها، وحلّ محلها عقيدة مرتبطة بالأرض وحدود الدول منذ القرن السابع عشر. ولعلّ الحرب الدائرة حالياً بين روسيا من جانب وأوروبا والولايات المتحدة من جانب آخر، هي أكبر مثال على حرب الأقطاب المهيمنة، لأن القضية الأساسية في السجال هي أن روسيا لا تريد أن تجد الناتو على حدودها الغربية، وما تريده أوروبا وأمريكا ألا تتقيّد توسعات الناتو بشروط دولة من خارج الناتو. وبتتبع الكتابات في هذا الشأن، نجد كبار الساسة والمفكرين في الغرب والشرق يتصدون لهذا الموضوع، ومنهم على سبيل المثال، هنري كيسنجر وكتابه “النظام العالمي”، وريتشارد هاس، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق وكتابه “نظام عالمي جديد 2″، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي يكرّر التصريح منذ عام 2017 عن النظام العالمي الجديد.

اضافة تعليق