حزب البعث العربي الاشتراكي

logo

header-ad

في مئويته الثانية... الحزب الشيوعي الصيني يعقد مؤتمره العشرين

نجح الحزب الشيوعي الصيني في كسب ثقة شعبه بالأفعال والإنجازات، لا بالأقوال والشعارات، فكانت لغة الأرقام حاضرة في كل خطوة يخطوها. تلك اللغة عززت مكانة الصين ورسختها ساعيةً للتربع على عرش العالم.

 

فالحزب الشيوعي الصيني وضع هدف بناء الدولة نصب عينيه، فلم يكن له منذ ولادته مصالح خاصة. لذا، رفع شعار خدمة الأمة الصينية، وحاز ثقة الشعب الذي آمن به، ليس من منطلق أيديولوجي فقط، بل من زاوية النجاح والقدرة على بناء الدولة، وترجمة الأقوال إلى أفعال.

 

استطاع الحزب الشيوعي أن يحقق للصين في 100 عام ما لم تستطع الصين أن تحققه خلال آلاف الأعوام من تاريخها، وما عجزت دول العالم عن تحقيقه أيضاً، فأصبحت الصين دولة كبرى، وهي في طريقها لتكون دولة عظمى. فالصين اليوم ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتحقق قفزات علمية وتكنولوجية تجعلها محط إعجاب أصدقائها، ومصدر إزعاج وقلق لأعدائها.

 

ولم يسعَ الحزب الشيوعي الصيني لمساعدة الشعب الصيني فقط، بل كان للبعد العالمي النابع من أيديولوجيته دور كبير في سعيه لتحقيق التطور والتقدم للعالم ككل. فعمل على المحافظة على السلام والتنمية في العالم، وطرح فكرة الاحترام المتبادل والعمل على تحقيق المنفعة المتبادلة والفوز المشترك، وهو ما تجسَّد عبر مبادرة الحزام والطريق، التي طرحها الرئيس شي جين بينغ في عام 2013، وهي المبادرة الأهم بالنسبة إلى العالم ككل، وإلى منطقتنا العربية، على وجه الخصوص.

 

إن ما حققته الصين من نجاحات جعل أعداءها يطلقون سهامهم نحوها، في محاولة يائسة لزعزعة الاستقرار فيها والمساس بأمنها القومي، أو لتشويه صورتها في المجتمع الدولي، معتمدين على ماكيناتهم الإعلامية الضخمة، والتي أتقنت تشويه الحقائق وفبركة الأخبار. ولعل أهم الأشياء التي تم الحديث عنها هو الديمقراطية الصينية، ومطالبة الصين باستنساخ التجربة الغربية في الديمقراطية، متناسين، عن سوء نية، أن لكل تجربة خصوصيتها، كما أن لكل حضارة تاريخها وقيمها، فأرادوا للصين أن تبدأ من حيث انتهوا، كأن الديمقراطية سلعة يمكن استيرادها بغضّ النظر عن تاريخ الشعوب وتجاربها.

 

وعُقد في الأيام الفائتة في قصر الشعب في بكين المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي الصيني. وهو المؤتمر الأول في المئوية الثانية للحزب الذي تأسس عام 1921.  ويُعَدّ الحزب الشيوعي الصيني الحزب الأكبر في العالم، بحيث يشكل أعضاؤه قرابة مئة مليون.

 

يُعقد هذا المؤتمر مرة كل 5 أعوام، لكنه عُقد حالياً وسط توقعات كبيرة، مفادها أن يحظى الرئيس شي جين بينغ بولاية رئاسية جديدة وثالثة، ليكون الرئيس الأقوى والأشد نفوذاً منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949.

 

يأتي انعقاد هذا المؤتمر، وقد ودّع الحزب مئويته الأولى عبر تحقيق إنجازات أقرب إلى المعجزات. تلك الإنجازات نقلت الصين من دولة متخلفة، إلى عملاق اقتصادي هائل يتحرك عبر خطوات مدروسة ويحقق نجاحات هائلة.

 

ومنذ تولي الرئيس شي جين بينغ الرئاسة في عام 2012، شهدت الصين انفتاحاً كبيراً، في الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وأدّت التكنولوجيا دوراً كبيراً في تحقيقه، على رغم كل الاتهامات الغربية للصين بغياب الحريات، وفق الطريقة الغربية.

 

كان دستور البلاد يسمح بولايتين، مدة كل منهما 5 أعوام، لكن تم تعديله في عام 2018. لذا، فإن كل التوقعات تشير إلى حصول شي على ولاية ثالثة، وقد لا تكون محددة بـ5 أعوام أيضاً، ليصبح الزعيم الأقوى منذ ماو تسي تونغ. وكان الحزب الشيوعي الصيني أجرى تعديلات في دستوره، تضمّنت إدراج أفكار أمينه العام شي ونظرياته، على نحو يعزّز سلطاته ونفوذه في مؤسسات الحزب والدولة بصورة غير مسبوقة منذ عهد الزعيم الصيني الراحل، ماو تسي تونغ.

 

استطاع الرئيس شي القضاء على الفقر، وهو الهدف الأسمى للحزب الشيوعي الصيني. ووُضعت هذه الاستراتيجية في عهد دينغ شياو بينغ، وأُنجزت في عهد الرئيس شي، بحيث تم انتشال 800 مليون نسمة من الفقر، وفقاً لتقارير البنك الدولي.

 

وعلى صعيد المحافظة على البيئة ومكافحة التلوث، كانت هناك 6 مدن صينية بين المدن العَشْر الأكثر تلوثاً في العالم، لكن الآن انخفض العدد إلى 3 فقط، مع الاستمرار في السياسات اللازمة للتخلص من التلوث والمحافظة على البيئة.

 

كما استطاع الرئيس شي بناء جيش احترافي قوي، عبر الانتقال من العقائدية إلى الاحتراف، وهو ما مكّن كثيرين من الضباط الشبان من أن يتبوَّأوا مواقع قيادية مهمة لم يكونوا قادرين على الوصول إليها سابقاً.

 

يبلغ الرئيس شي 69 عاماً، وعُرف بحزمه وقوته ومكافحته للفساد، وهو الأمر الذي عزز شعبيته لدى الشباب الصيني، وانعكس على أرض الواقع عبر ازدياد عدد الطلبة الجامعيين الراغبين في الانتساب إلى صفوف الحزب، بحيث يعتقد كثيرون منهم أن تلك الحملة أنقذت الحزب الشيوعي من الانهيار وأعادت إلى الجماهير ثقتها به.

 

وفي عام 2017 كان الرئيس شي وعد بمزيد من الانفتاح على العالم، تنفيذاً لمشروعه الاستراتيجي، الحزام والطريق، لكن الظروف العامة حالت دون ذلك ربما، فأدى انتشار كوفيد 19 إلى فرض سياسة إغلاق صارمة حالت دون وصول الأجانب إلى الصين. لكن، على الرغم من سياسة الإغلاق المتبعة، فإن السياسة الخارجية الصينية كانت أكثر انفتاحاً وتأثيراً، فاستطاعت بكين تقديم المساعدات الطبية إلى عدد من دول العالم، وهو ما عزز قوتها الناعمة، وأظهر ضعف القطاع الصحي وترهله لدى عدد من الدول المتقدمة، والتي تتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

 

لقد نجح الحزب الشيوعي الصيني، بقيادة أمينه العام شي جين بينغ، في نقل الصين إلى مراكز متقدمة على مستوى العالم، على رغم كل الظروف الصعبة التي مرت فيها البلاد، وخصوصاً انتشار كوفيد 19 الذي تسبب بركود اقتصادي كبير على مستوى العالم كله، وفي الصين تحديداً، نظراً إلى سياسة "صفر كوفيد" المتبعة بصرامة من جانب الحكومة الصينية، والتي أعطت الأولوية للمحافظة على البشر على رغم الخسائر الاقتصادية المتوقعة، والنفقات الهائلة في القطاع الصحي.

 

كرّس الرئيس شي فكرة احترام القانون، إلى حد كبير، وتجلّى ذلك في الشائعات التي تحدثت عن انقلاب عسكري في الصين في الآونة الأخيرة، وتحديداً بعد عودة الرئيس شي من قمة سمرقند، ليتبين فيما بعد أن الرئيس كان يخضع لإجراءات العزل الصحي المطبقة في البلاد، والتي لا تستثني أحداً، أياً يكن.

 

‏يتألف المؤتمر من 2296 مندوباً يمثلون جميع المناطق، بحيث يختارون لجنة مركزية جديدة مؤلفة من 200 عضو، ثم تقوم اللجنة المركزية بانتخاب المكتب السياسي. ومن المرجح أن يجري إدخال تعديلات في دستور الحزب، كما هي العادة في المؤتمرات السابقة.

 

ومن المتوقع أن يجدّد الحزب الشيوعي الصيني دعوته الدول إلى تنفيذ مبادرة التنمية العالمية، والمقترحة من الصين، ومبادرة الأمن العالمي لتعزيز التنمية العالمية، على اعتبار أنهما تمثلان أداة تسريع شاملة لأجندة الأمم المتحدة بشأن التنمية المستدامة العالمية.

 

يأتي انعقاد المؤتمر بينما ما زالت البلاد تعيش حالة من الإغلاق والإجراءات الصحية الصارمة، وانعكاس ذلك على الواقع الاقتصادي الذي شهد حالة من الركود. كذلك كان لأزمة العقارات في الصين تداعيات سلبية. أمّا الحرب في أوكرانيا، على رغم أن الصين قد تكون الدولة الأقل تأثراً بارتداداتها الاقتصادية، لأنها مكتفية ذاتياً إلى حد كبير، فإنها جعلت اليوان الصيني يفقد نحو 10% من قيمته أمام الدولار خلال الأشهر السابقة، بالإضافة إلى مغادرة عدد من الشركات الأجنبية للبلاد نتيجة السياسات الصحية المتبعة.

 

وعلى الصعيد الخارجي، تشهد العلاقة بالولايات المتحدة توتراً كبيراً وتصعيداً مستمراً، قد يصلان إلى حد المواجهة في أي لحظة. كما أصبحت قضية تايوان مصدر قلق لصانع القرار الصيني لأنها الورقة التي يراهن عليها الغرب لجر الصين إلى حرب لا تريدها الآن. كذلك، وجدت بكين نفسها في مواجهة تحالفات تقودها الولايات المتحدة، هدفها الواضح والمعلن هو محاصرة بكين واستنزاف قوتها، بدءاً بتحالفَي أوكوس وكواد وغيرهما من التحالفات في منطقة المحيطين الهندي والهادي.

 

وعلى صعيد العلاقة بروسيا، وعلى رغم أن بكين كانت واضحة منذ البداية في موقفها الرافض للحرب، فإنها قد تجد نفسها مضطرة إلى المضي قدماً خلف روسيا ومساندتها لمواجهة عدوهما المشترك، وخصوصاً بعد أن أدرجت وثيقة "استراتيجية الأمن القومي الأميركي"، الصادرة حديثاً، الصين منافساً استراتيجياً يتوجب على الولايات المتحدة العمل على احتوائه.

 

لذا، من المتوقع أن يكون الرئيس الصيني شي جين بينغ أكثر قوة بعد المؤتمر، بعد أن ينال ثقة الحزب وتفويضه، ليتخذ مواقف أكثر حزماً تجاه القضايا المصيرية، وفي مقدمتها قضية تايوان والعلاقة بالولايات المتحدة الأميركية. ومن غير المتوقع أن يقوم الرئيس شي بتعيين نائب له في الظروف الحالية، نتيجة اعتبارات حزبية وسياسية يعود إليه فقط الحق في تقديرها.

 

ختاماً، فإن كل المعطيات تشير إلى أن الصين، بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني، لن تكون كما قبله، وأن الرئيس شي سيكرَّس قائداً تاريخياً استثنائياً، ليكون قادراً على تجاوز التحديات الاستثنائية التي تمر فيها البلاد.

 

ومن المتوقع أن تشهد الحياة العامة في الصين مزيداً من تخفيف الإجراءات المتبعة لمكافحة الوباء، والتي شهدت تخفيفاً منذ 3 أشهر. ومن المتوقع الاستمرار في ذلك، وصولاً إلى حدوث انفراجات أخرى في كل المجالات.

د. شاهر الشاهر

أستاذ الدراسات الدولية في جامعة صن يات سين- الصين.

اضافة تعليق