حزب البعث العربي الاشتراكي

logo

header-ad

الإصرار الإسرائيلي على «قانون القومية»

يزداد المشهد الفلسطيني صعوبة وتأزماً بسبب الهجمة الصهيونية المسعورة على مختلف مكونات حياة الشعب الفلسطيني الوطنية والسياسية والتاريخية، ومن الواضح أن الاحتلال وجد المناخ مهيأ حالياً، وبما يوفر له مجالاً محفزاً لكي ينفذ مخططاته. فالمنافسة الانتخابية على أشدها وجميع الأحزاب الصهيونية تسعى للوصول إلى «الكنيست» الـ(21) بالمزايدة فيما بينها على تقديم برامج موغلة في العنصرية والتحريض والإرهاب ضد الفلسطينيين. وقدمت إدارة البيت الأبيض الأمريكي خدمات جلية لحكومة نتنياهو بمشاركتها العدوان على حقوق الشعب الفلسطيني إذ عمدت إلى نقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى مدينة القدس، واعترفت بالقدس «عاصمة» لكيان الاحتلال خروجاً عن الشرعية الدولية وقراراتها، وأوقفت الحصة المالية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وأيضاً الحالة الفلسطينية تزداد تعقيداً بسبب الانقسام الداخلي، إضافة لعدة عوامل أخرى.

هذا المناخ بكل عناصره يستثمره الكيان الاحتلالي كفرصة مواتية لتنفيذ مخططاته وأجنداته ضد الشعب الفلسطيني، حيثما وجد لكسره وتفتيته وإقصائه، إذ يتجلى ذلك في العديد من العناوين الاحتلالية التي ناقشتها الحكومة والكنيست السابق لسنّها وإقرارها.

فالمخطط الإقصائي العدواني الذي يشنه الاحتلال على الفلسطينيين يشمل استهداف الأرض للتهويد والأسرلة وتغيير الوضع القانوني والتاريخي لفلسطينيي 48 والمقدسيين واللاجئين وعموم الشعب الفلسطيني إذ شهدنا العام المنصرم تصديق الكنيست الـ(20) في 19 تموز على ما يسمى «قانون القومية الأساس» الذي يقوم على تصفية ودفن القضية الفلسطينية وتجاهل مباشر لوجود الشعب الفلسطيني صاحب الحق والحقيقة وإلغاء حق عودة اللاجئين ومنح اليهود فقط الأحقية في تقرير مصيرهم من دون سواهم من الفلسطينيين.. ولتغيير هذا «القانون» لابد من موافقة أغلبية أعضاء «الكنيست» لكونه «قانون أساس محصّناً» كما أن هذا «القانون» يحرم فلسطينيي 48 من فرص الممارسة المواطنية، وما يترتب عليه من حقوق سياسية واقتصادية ومدنية واجتماعية وثقافية ودينية. ويهدف «القانون» إلى ترسيخ نظام فصل عنصري، والقضاء على قضية اللاجئين وحق العودة، والتضييق على فلسطينيي الداخل من أجل إرغامهم على الهجرة، وتالياً نسف الرواية التاريخية للشعب الفلسطيني بأحقيته في موطنه الأصلي فلسطين، الأمر الذي يترتب عليه التنصل الإسرائيلي من استحقاقات أي مشروع تسوية للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وتالياً، إلغاء كل قضايا الحل النهائي لعملية التسوية، ومخالفة القرارات الأممية بشأن حق عودة اللاجئين والتوسع الاستيطاني ووضع مدينة القدس.

لم يكن «قانون القومية» الذي سن مؤخراً سوى ترجمة فعلية لمجموعة من «القوانين» العنصرية التي سنت في ظل حكومة بنيامين نتنياهو، فقد أقر الكنيست خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة من فترة ولايته 54 «قانوناً» من أصل 185 «قانوناً» عنصرياً كانت قيد النقاش و«التشريع». وأقر «قانون القومية» بالقراءة الأولى، وعالج الكنيست 43 «قانوناً» للضم المباشر وغير المباشر للضفة الغربية أو المستوطنات، ومن أبرز «القوانين» التي أقرت بالقراءة النهائية «قانون» سلب ونهب الأراضي بملكية خاصة في الضفة، وقانون تعزيز ضم القدس، و«قانون» التعليم العالي في معاهد المستوطنات، و«قانون» تشديد الإجراءات العقابية على الفلسطينيين بذريعة مقاومة الاحتلال.

والسؤال الفعلي هنا، هل قرارات حكومة نتنياهو ومشاريع «القوانين» يمكن أن تبلور «هوية قومية» مع العلم أن الهوية القومية يفترض أن تكون ضاربة في عمق التاريخ؟ فمن المتعارف عليه أن القوميات كمصطلح وكمفهوم هي مصطلحات حديثة ولدت مع ولادة الدولة الغربية الحديثة. فالدولة هي دولة الأمة التي يجب أن تكون فيما بينها عناصر ربط ثقافية تجمعهم ولو بالحد الأدنى من الروابط الاساسية. ولأن القومية الحديثة تطورت بعد أن رعتها الدولة الغربية الحديثة خلال القرون الأربعة الماضية فقد تطورت وأخذت أشكالاً وتموضعات مختلفة. ولكن فيما يتعلق بما يسمى «القومية اليهودية» التي هي أساساً ملتبسة ما بين الأمة والدين والتراث والعرق فجميعها هنا في الحالة الصهيونية غير موجودة ولا تتوافر فيها عناصر الروابط الأساسية ولو بالحد الأدنى. لذلك لم يستطع الكيان الصهيوني ومنذ إنشائه على أيدي قوى الاستعمار إلى اليوم أن يصهر المجموعات المختلفة التي تعيش فيه في بوتقة واحدة.

وتتفق الأحزاب الصهيونية الأساسية في عقيدتها وبرامجها، على تعريف (إسرائيل) (دولة يهودية)، فقد تبن العديد من هذه الأحزاب شعارات عنصرية إقصائية تهدف إلى وضع فلسطينيي 48 أمام خيارين إما تقديم «الولاء» للكيان الصهيوني وإما فقدان حق المواطنة وتالياً حق الإقامة.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن المشروع الصهيوني لم يخف أهدافه التي تحدث عنها بن غوريون منذ عام 1948، والذي أعلن أنه «علينا استخدام الإرهاب والاغتيال والتخويف ومصادرة الأراضي وقطع الخدمات المدنية والاجتماعية بهدف إخلاء السكان العرب من المناطق التي يسكنونها» وتستمر هذه الدعوات حتى يومنا هذا على لسان المسؤولين الإسرائيليين الذين يطالبون بإيقاف حركة سكان فلسطينيي الـ48 عن طريق بناء مستوطنات المتطرفين في وجه التوسع الديموغرافي والجغرافي الفلسطيني، وتشديد وتعقيد إجراءات الفلسطينيين الحياتية اليومية بهدف مضايقتهم وتهجيرهم.

ولكن لماذا يتجه النظام السياسي الصهيوني إلى سنّ كل تلك «القوانين» العنصرية؟ وفي هذا الوقت بالتحديد؟ السبب الرئيس وعلى الأرجح هو أن الكيان الصهيوني يعاني منذ نشأته قلقاً وجودياً، فهو لم يغادر متلازمة النهايات والأفول على يد العرب، وعملت الآلة الصهيونية على تكريس ذلك أمام الرأي العام الدولي بأنهم أقلية أمام أكثرية، ولذلك تهدف «إسرائيل» منذ إنشائها عام 1948 إلى منع عودة اللاجئين الفلسطينيين حيث لم يكن هناك «قانون» واضح لطرد المواطنين الفلسطينيين، بل منعهم من العودة بعد المجازر التي ارتكبت بحقهم، لذلك بقي فيما يسمى «حدود» الكيان الاحتلالي الذي تشكل آنذاك 160 ألف عربي فلسطيني، ما يعادل خُمس عدد سكان الكيان. لكن الترويج للمظلومية التاريخية بأن العرب أعداءنا أي (الفلسطينيين) سيتكاثرون ويقتلوننا ويطردوننا، خدمت الدعاية الصهيونية بكثير من الأهداف ومن بينها صعوبة «حل الدولتين» ولكن في حقيقة الواقع أن ما حدث هو العكس فالكيان الصهيوني هو من تكاثر واحتل وقتل وسلب ونهب وطرد وينتهج سياسات الإبادة والتطهير العرقي.

ومن الأسباب التي تحفز كيان الاحتلال على سن مثل هذه القوانين العنصرية هو اعتقاده أن المنطقة المحيطة به منهارة، وهو لم يعد حسب زعمه يراها تشكل خطراً خارجياً عليه ويرى أيضاً أنه قادر على إعادة بناء البنية الداخلية لديه وتكريس «يهودية الدولة» وتجاوز «الهوية الصهيونية» بتأسيس «هوية إسرائيلية» جديدة من أجل المستقبل، ولكن السؤال الأبرز هنا: هل ينجح أم يفشل؟ فكل الوقائع التاريخية الماضية تشير إلى أن المأزق الإسرائيلي آخذ بالاتساع وربما يؤدي في النهاية إلى انشطار وتفتت بنية هذا الكيان.

المصدر : تشرين

اضافة تعليق