ما بين الإليزيه والشانزليزيه


د. مهدي دخل الله..

كيف يمكن قراءة الحدث الفرنسي قراءة موضوعية؟؟

 

هل هي صفعة أمريكية على وجه ماكرو بعد ما تجرأ على طرح مشروع «الجيش الأوروبي» الذي قد يصبح بديلاً عن الناتو؟ وكذلك تأكيداته على العلاقة مع روسيا، إضافة إلى دفاعه عن وثيقة باريس حول المناخ التي تتمسك بها أوروبا بعد خروج أمريكا منها؟.. ألا يذكّرنا الحدث بمظاهرات 1968 الطلابية في باريس ضد ديغول الذي تجرأ على تجميد عضوية فرنسا بالتنظيم العسكري للناتو، وتجرأ على إدانة إسرائيل بعد حرب 67، كما على مد يده لموسكو عبر نظريته حول (أوروبا من الأطلسي إلى الأورال)؟..

 

هنا ينبغي التأكيد على أن «الشارع الفرنسي» يدافع عن حقوقه تجاه سياسات الاستهتار به، وهو بالتأكيد شارع معادٍ لسياسات الولايات المتحدة. لكن لابد من البحث عن «الخلية المنظمة» للاحتجاجات المحقة.. من يقف وراءها؟.

 

هل ما بين الإليزيه والشانزليزيه تقليد لما كان بين فرساي وساحة الباستيل عام 1789 عندما قامت الثورة الكبرى ضد آل بوربون؟.. وهل ستؤدي «انتفاضة الفرنسيين» إلى قلب الطاولة كلها، كما حدث في تلك السنوات الغابرة؟.. أم أن الأمر لا يتعدى عاصفة عابرة سيخرج منه ماكرو سليماً بعد إلغائه القرارات التي كانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير؟.

 

هل يمكن القول: إن القارة العجوز، أوروبا، تواجه أزمة شديدة؟ وهل هذه الأزمة عادية عابرة، أم أنها بنيوية ستفضي إلى تغيير نوعي في منظومة الحياة السياسية في هذه القارة المتعَبة والمتعِبة؟.

 

كل واحدة من هذه القراءات تشير إلى أحد جوانب الحدث الفرنسي المذهل.. لكن يمكن من هذا الحدث ملاحظة الحقائق الآتي ذكرها:

 

1- إن المستغلين كي يسرقوا شعوب العالم الثالث عليهم أن يسرقوا شعوبهم أولاً، وهذا ما كان فريدريك إنجلز أشار إليه نهاية القرن التاسع عشر، وقد أثبتته تجربة مرة من الهيمنة منذ بداية عصر الاستعمار.

 

2- إن العنف ليس من صفات الشعوب التي يصفها الأوروبيون بالمتخلفة، وإنما هو من صفات شعوبهم المتحضرة. لقد شهدت باريس عنفاً وصل حد الوحشية، سواء من جانب المتظاهرين الذين حرقوا ودمروا الممتلكات الخاصة والعامة، أو من جانب قوى البوليس التي استخدمت وسائل عنف متطورة في إطار القمع غير الإنساني..

 

3- على ما يبدو أن (ماحدا أحسن من حدا)، لا في مجال العنف، ولا في مجال آخر، وهو العيش المزري للبشر. أذكر أنه زارني قبل عدة أعوام أمريكي من أصل سوري، وهو مهندس في المعلوماتية، ويعمل مدرساً في الثانويات الأمريكية، وقد أخبرني أنه مضطر أن يعمل بعد الظهر عملاً إضافياً كي يعيش. قلت له حسناً، نحن أبناء مجتمعات دخلها الوطني محدود وغير متطورة اقتصادياً ومنهوبة من الاستعمار والاستغلال، لكن دولتكم تمتص دماء العالم اقتصادياً، فكيف تعيشون مثلنا؟؟.. أجاب يبدو أنه (ماحدا أحسن من حدا) يمكن أن نفهم أن الناس في دول العالم الثالث عليهم أن يعملوا كل يوم عملاً إضافياً غير عملهم الأصلي من أجل لقمة العيش، لكن كيف يمكن تفسير الأمر نفسه عند دول الاستعمار القديم والجديد؟؟..

 

4- إن الراية الحمراء (تشي غيفارا) لم تعد رمز المقاومة، وإنما أصبحت الراية الصفراء معتمدة لدى مقاومي أوروبا، وهو اللون الذي يستخدمه حزب الله.

البعث

 

شارك هذا:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حزب البعث العربي الاشتراكي