الحيـاة اللندنية: تركيا وخياراتها بين وأميركا والأكراد


2018-11-05

آلان حسن..

ما إنْ تنتهي الحرب في بلدٍ ما؛ فإنّ أول مَن يبدأ الخطوة التالية هو الطرف المنتصر، وفي الوضع السوريّ كَثُرَ المنتصرون، وعليه فترتيبات ما بعد النصر لا بدّ من أن تجمع الأطراف المتناقضة.

ولعلّ الحالة السوريّة الممتدّة منذ آذار (مارس) عام 2011 هي من أعقد الحروب منذ الحرب العالميّة الثانية في القرن الماضي.
تغيّرت التحالفات بين الأطراف المتصارعة في الميدان السوريّ، حليف الأمس أصبح خصم اليوم، والعكس بالعكس، ولعبة الكراسي الموسيقية كانت مرآة ما يحصل فيها.

كانت تركيا من أوائل الدول التي تدخّلت في الشأن السوريّ، بدءاً من توسّطها لدى القيادة السوريّة لإجراء إصلاحات سياسيّة كانت ستفضي في نهاية الأمر إلى دخول جماعة «الإخوان المسلمين» (المحظورة في سورية بموجب القانون 49 منذ عام 1982) إلى الحكومة، مروراً بتأسيس أوّل كيان سوريّ معارض منتصف عام 2011 وهو المجلس الوطنيّ السوريّ، وليس انتهاء بالدعم العسكريّ لفصائل المعارضة السوريّة المسلّحة، والتدخّل العسكريّ المباشر في كل من جرابلس وإعزاز والباب عام 2016 وعفرين عام 2018.
الذراع التركيّة الأبرز في الحرب السوريّة هي جماعة «الإخوان المسلمين» التي خاضت صراعاتٍ دامية مع الحكومة السوريّة في ثمانينات القرن الماضي، في كل من حلب ودمشق وحماة، جوبِهَت بعمليّةٍ واسعة للجيش السوريّ، وانتهت حينها بالقضاء على تمرّدها المسلح، وسقوط آلاف الضحايا، وتجريم كلّ من ينتمي للـ «جماعة»، تنظيميّاً أو فكريّاً.
أنقرة غيّرت وِجهة تحالفاتها من المحور الأميركيّ- السعوديّ، إلى الروسيّ- الإيرانيّ، وأنشأتْ مع الأخيرتين ما سُمّيَ مجموعة الدول الضامنة لاتفاقيات خفض التصعيد في أستَانة.
الاتفاقيّات تلك ثبّتت مناطق نفوذ القوى الموجودة في سورية حيث باتَ كلّ طرف يحتفظ بوجود عسكريّ يُعزّز مصالحه؛ فروسيا باتت تسيطر على ما تسمى سورية المفيدة، حيث العاصمة دمشق وريفها، وكامل الحدود مع لبنان والأردن، بالإضافة للساحل السوريّ, كما تسيطر الولايات المتّحدة الأميركيّة الآن على ما تدعى سورية الغنيّة، في شرق نهر الفرات، حيث خزان سورية النفطيّ والغازيّ والمائيّ والزراعيّ، إضافة إلى سيطرتها على مدينة منبج، أمّا تركيا فهي الآن تسيطر على أجزاء واسعة من الأراضي السوريّة المحاذية لحدودها في كلّ من إدلب، وما يسمى مناطق درع الفرات، إضافة إلى عفرين.
الوجود التركيّ في سورية لَم يَغِب في أشكاله المباشرة وغير المباشرة… كان قبر سليمان شاه (جدّ كمال أتاتورك مؤسّس الدولة التركيّة) في مدينة منبج بمثابة مسمار جحا بالنسبة إلى أنقرة… ظلّ القبر تحت حراسة الجنود الأتراك داخل الأراضي السورية منذ جلاء القوات الفرنسيّة عن سورية، ونقلَتْه بشكل موقّت إبّان اقتراب المعارك بين تنظيم «داعش» ووحدات حماية الشعب (الكُرديّة) من المناطق المحاذية للقبر أوائل عام 2015.
بقيَتْ اتفاقية أضنة، وملاحقها السريّة الأربعة، الموقّعة بين الحكومتين السوريّة والتركيّة عام 1998 هي الناظم للعلاقة بين الدولتين، والمسوِّغ القانونيّ الدائم لأنقرة للتدخل في الشأن السوريّ.
خلافات أنقرة مع الولايات المتحدة الأميركيّة هي الأخرى تقضّ مضجع الحكومة التركيّة… تُقيم واشنطن توازناً في علاقتها بأكراد سورية من جهة، وحليفتها الأطلسيّة من جهة أخرى.
قضايا صفقات الأسلحة الروسيّة لتركيا، والتنسيق عالي المستوى بينهما، وعدم التزام الحكومة التركيّة بالعقوبات الأميركيّة على إيران، وقضيّة اعتقال القسّ الأميركيّ روبنسون التي استمرّت إلى أنْ أَجبَرت واشنطن أنقرة على إطلاق سراحه لاحقاً بعد عامين من الاعتقال، والانقلاب التركيّ عام 2016، ورفْض واشنطن تسليم المعارض التركيّ فتح الله غولن، وطموحات الإمبراطوريّة العثمانيّة لحكومة العدالة والتنميّة، أسباب تمنع البلدين من العودة إلى سيرتهما الأولى في العلاقة الاستراتيجيّة بين أكبر قوّتين في حلف شمالي الأطلسيّ (الناتو).
تعمل تركيا على كسب ولاء السوريين في مناطق سيطرة قوّات المعارضة السوريّة الموالية لها، وأنشأتْ ما يشبه ولاياتٍ تركيّة ضمن الأراضي السوريّة، فعيّنت مسؤولين موالين لها في المجالس المحليّة ضمن هذه الأراضي، وفرضتْ التعامل بالليرة التركيّة، كما أنشأتْ فروعاً لجامعاتٍ تركيّة، خطوات تعني في ما تعنيه ربطَ تلك المناطق بالداخل التركيّ، والسعي إلى إقامة قبرص ثانية.
تسعى أنقرة إلى التخلّص، مرّة وللأبد من مشروع حزب الاتحاد الديموقراطيّ (الكُرديّ)، وتتحالف في سبيل ذلك مع طرف كُرديّ آخر، هو المجلس الوطنيّ الكُرديّ (إطار سياسيّ يضم عدداً من الأحزاب الكرديّة التي تُدين بالولاء للحزب الديموقراطيّ الكُردستانيّ في العراق ورئيسه مسعود البارزاني)، وكذلك مع الروس والإيرانيين بعد سنوات من الخصومة المباشرة في الميدان السوريّ، كما تخلّت عن مطلب إسقاط النظام في دمشق، لمصلحة الانكفاء عن مطلبها التوسّعي، إلى الدفاع عن أمنها القوميّ في الداخل لمواجهة ما تسميه الخطر الكُرديّ، وعليها المفاضلة بين حليفها الجديد روسيا، والموضوعيّ الولايات المتّحدة الأميركيّة.
تحاول أنقرة الخروج من العُقَد التي بينها وبين واشنطن، وهي كثيرة بالفِعل، تبدأ من مقاربة مشتركة للوضع في سورية، والتخلّص من التباين الجليّ بينهما في تحديد مستقبل البلد، وبالأخصّ مشاركة الكُرد في العمليّة السياسيّة.
وعليه فإنّ القيادة التركيّة أمام امتحان صعب سيُحدّد ملامح دولتها الجديدة، بعد أنْ انتهت صلاحية تركيا أتاتورك، أو تكاد، وهي مطالَبة – بشقّيها المعلن والعميق- بالمفاضلة بين تركيا آمنةٍ في الداخل ومقبولة في الخارج، وبين فتحِ سعيرِ أزماتٍ داخليّةٍ لن يكون حلّها مُرضياً للأتراك، بإسلاميّيهم وقوميّيهم.

شارك هذا:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حزب البعث العربي الاشتراكي