إلى أين وصلت سيطرة الدولار عالميًّا؟


2018-09-03

في الواقع إن هيمنة عملة واحدة استثناء لا سابق له في التاريخ، إذ يمكن القول إن الدولار يسيطر تقريبًا على أغلب المعاملات التجارية في العالم، ويجري تسعير معظم السلع بالدولار، وفي مقدمتها النفط، وكذلك الأسهم، وهو يمثل نحو 85% من العملات المتداولة في التجارة الدولية، وقد وصلت الاحتياطات المالية المقومة بالدولار إلى أكثر من 60% في العالم، كما أن حركة سعر الدولار صعودًا وهبوطًا من الممكن أن تحدث هزة اقتصادية عالمية، بل إن اتجاه الأموال حول العالم حاليًا مرتبط ارتباطًا مباشرًا بقيمة الدولار، وهو الأمر الذي ظهر جليًا عندما بدأ المركزي الأمريكي في تحريك سعر الفائدة على الدولار في الأشهر الأخيرة.

فقد باتت الاستثمارات تتوجه بحسب اتجاه الدولار ومراكز القوى الاقتصادية العالمية كذلك، ولم لا؟ فالدولار هو سيد العملات الدولية بلا منازع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وعندما قرر الرئيس الأمريكي نيكسون في 1971 منع تحويل الدولار إلى ذهب، وإعلان انهيار نظام «بريتون وودز»، بات الدولار منذ ذلك الحين «العملة المعيارية» الأولى في العالم، التي تقاس قوة العملات الأخرى بناءً على ارتفاعها أو انخفاضها في مواجهة الدولار.

وينظر كثير من المستثمرين إلى الدولار على أنه ملاذ آمن كالذهب، بل ربما يتفوق عليه مع رفع أسعار الفائدة، وهو ما يلاحظ خلال الأشهر الأخير من 2018، إذا ما جرى مقارنة الذهب بالدولار، فالعملة الأمريكية تستمد كثيرًا من القوة من خلال هذه النظرة، والتي ترفع التدفقات المالية نحو أمريكا.

كن رغم هذه السيطرة فإن سعر صرف الدولار حاليًا لا يعبر عن قيمته الحقيقية، وهو أمر يعزز من فكرة أن العملة الأمريكية هشة ويمكن أن تفقد كثيرًا من قيمتها بسهولة، فبحسب تقرير صدر عن صندوق النقد الدولي في نهاية يوليو (تموز) 2017، فإن قيمة الدولار الأمريكي مبالغ فيها بنسبة تصل إلى 20%، وذلك استنادًا إلى أساسيات الاقتصاد الأمريكي.

من المهم هنا توضيح فكرة أن تراجع سعر صرف الدولار لا يعني تراجع سيطرته، فالسيطرة تعتمد في الأساس على نسبة استخدام العملة سواء في المعاملات التجارية أو الاحتياطات الدولية، وكذلك القروض المصرفية، فمن الممكن أن يتراجع سعر صرف الدولار ولا تتراجع نسبة سيطرته عالميًّا، وبحسب برونو كولمان، عضو المجلس التنفيذي في مصرف ديغروف بيتركام، فإن ضعف سعر الصرف لا يطعن في الهيمنة، بمعنى أن العملة الضعيفة والدولية لا تتردى أهميتها في المبادلات، لكن ما نتحدث عنه هنا هو تراجع الهيمنة، وليس تراجع سعر الصرف.

وكما ذكرنا فإن سيطرة الدولار على المعاملات المالية في العالم تكاد تكون مطلقة، ولكن منذ تولي ترامب رئاسة الولايات المتحدة يزداد عدد الرافضين هذه السيطرة التي تضر اقتصادات كثير من الدول من خلال الهبوط الحاد للعملات المحلية وتفاقم التضخم، ويمكن القول إنه كلما اتسعت دائرة الأعداء لهيمنة الدولار، كلما كان الوقت مناسبًا أكثر، أو ستكون نسبة فشل المحاولات أقل، فالقضاء على هذه الهيمنة من المستحيل أن يحدث من جراء قرارات أو محاولات فردية.

شارك هذا:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

حزب البعث العربي الاشتراكي